الشريف المرتضى
411
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
فإن قيل : فما معنى الهبوط الذي أمروا به ؟ قلنا : أكثر المفسّرين على أنّ الهبوط هو النزول من السماء إلى الأرض وليس في ظاهر القرآن ما يوجب ذلك ؛ لأنّ الهبوط كما يكون النزول من علوّ إلى سفل فقد يراد به الحلول في المكان والنزول به ؛ قال اللّه تعالى : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ « 1 » ، ويقول القائل من العرب : هبطنا بلد كذا وكذا ، يريد حللنا ، قال زهير : ما زلت أزمقهم حتى إذا هبطت * أيدي المطيّ بهم من راكس فلقا « 2 » فقد يجوز على هذا أن يريد تعالى بالهبوط [ الخروج من المكان وحلول غيره ؛ ويحتمل أيضا أن يريد بالهبوط ] غير معنى المسافة ، بل الانحطاط من منزلة إلى دونها ، كما يقولون : قد هبط عن منزلته ، ونزل عن مكانه ؛ إذا كان على رتبة فانحطّ إلى دونها . فإن قيل : فما معنى قوله : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ؟ قلنا : أمّا عداوة إبليس لآدم وذرّيّته فمعروفة مشهورة ، وأمّا عداوة آدم عليه السّلام والمؤمنين من ذرّيّته لإبليس فهي واجبة لما يجب على المؤمنين من معاداة الكفّار المارقين عن طاعة اللّه تعالى ، المستحقّين لمقته وعداوته ، وعداوة الحيّة على الوجه الذي تضمّن إدخالها في الخطاب لبني آدم معروفة ؛ ولذلك يحذّرهم منها ، ويجنّبهم ؛ فأمّا على الوجه الذي يتضمّن أنّ الخطاب اختصّ آدم وحوّاء دون غيرهما ؛ فيجب أن يحمل قوله تعالى : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ على أنّ المراد به الذرّية ؛ كأنّه قال تعالى « اهبطوا » وقد علمت من حال ذرّيتكم أنّ بعضكم يعادى بعضا ، وعلّق الخطاب بهما للاختصاص بين الذرّية وبين أصلها . فإن قيل : أليس ظاهر قوله تعالى : اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ يقتضى الأمر بالمعاداة ، كما أنّه أمر بالهبوط ، وهذا يوجب أن يكون تعالى آمرا بالقبيح على
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 61 . ( 2 ) ديوانه : 37 . راكس : موضع ، والفلق : المكان المطمئن بين ربوتين ؛ وهو منصوب على أنه مفعول به ؛ قيل : الفلق : الصبح .